القائمة الرئيسية:
 
 استمارات التسجيل
 
 البحث:
 
 

 

 

الصفحة الرئيسية » مقالات وبحوث » دور الاعلام في بناء الانسان
 مقالات وبحوث

المقالات دور الاعلام في بناء الانسان

القسم القسم: مقالات وبحوث المصدر المصدر: اتحاد الاذاعات والتلفزيونات الاسلامية التاريخ التاريخ: ٢٠١٣/٠٨/٢٤ المشاهدات المشاهدات: ١١٠٠٩ التعليقات التعليقات: ٠

من الواضح أن سرعة تطور وسائل الاتصال بين الناس وانتشارها واستقطابها يعد عاملا مهما في تزايد تأثير هذه الوسائل في المجتمع بشكل عام، وعلى فئة الشباب بشكل خاص.

قد كان الاعتقاد سائدا بأن هذا التطور سيترك آثارا عميقة في المجتمعات، وهذا اعتقاد له ما يبرره. ولكن خلال فترة وجيزة بدأ مضمون الاتصال في التطور، وأخذ منحى آخر، إلى درجة أن بعض جوانبه أخذت بعدا كبيرا من الجدل بشأن تفاعل الناس مع هذا المضمون. ومثال ذلك الفضائيات الخاصة ببث الاغاني والفيديو كليب ، والتي استقطبت قطاعا عريضا من الشباب على امتداد العالم، خاصة العالم العربي في الآونة الأخيرة. واللافت للنظر أن الفئة الصغيرة من الشباب، الذين يمكن أن نقول إنهم بالفعل أطفال، استقطبوا أيضا لهذه البرامج، الأمر الذي يضع تساؤلات كبيرة حول تأثير الإعلام ودوره في المجتمع في ظل غياب شبه تام لإعلام الدولة أو ما يمكن أن نسميه الإعلام الموجه.
يقول البعض إن التلفزيون هو "الوالد الثالث" أو ما يطلق عليه "the third parent"؛ لما له من تأثير في الأطفال. ففي ظل تراجع دور الاتصال الشفهي بين أفراد المجتمع وداخل الأسرة الواحدة، تقدم الإعلام الجماهيري، خاصة التلفزيون ليصبح له دور يوازي دور الأبوين. فالساعات التي يقضيها الطفل أمام التلفزيون في يومه تصل إلى درجة قد تفوق الساعات التي يقضيها في أي عمل آخر. وبهذا يمكننا القول بأن التلفزيون أصبح يسهم بشكل كبير في صياغة تفكير أبنائنا، ويحدد لهم التوجهات الثقافية والفكرية، وأنماط السلوك الاجتماعي التي تصبغ شخصيتهم.بالطبع نحن نتحدث هنا عن جميع وسائل الاتصال، ولكن التركيز على التلفزيون والإنترنت بشكل خاص؛ لأنهما الوسيلتان اللتان تستقطبان فئة الأطفال والشباب، وهما الوسيلتان اللتان تدخلان كل بيت وتقدمان أشكالا متنوعة وجذابة من البرامج دون رقيب.
وقبل الحديث عن دور الإعلام في تكريس مفاهيم الدكتاتورية والديمقراطية لدى الأطفال لا بد من الإشارة إلى واقع التربية في مجتمعاتنا العربية , إن مجتمعاتنا العربية والإسلامية بفعل جملة من العوامل التاريخية والثقافية والمفاهيم السلبية السائدة لا تعرف عبر أسلوب التحكم في الآخرين وسيلة للعلاقات الاجتماعية والسياسية. فالدكتاتورية تبدأ من البيت لتصل إلى الموظف والمسؤول، ثم إلى الحاكم. وهناك جملة من الأمور التي يمكن أن نلاحظها في مجتمعاتنا على جميع الأصعدة، منها:
١- اعتبار رأي الفرد صحيحا، وما سواه خاطئا. ومن هنا تتولد الرغبة في فرض الآراء على الآخرين.
٢- اعتبار أن التنازل عن الرأي عيب، حتى وإن كان خاطئا ويصل إلى درجة التمادي في الخطأ.
٣-النظر إلى الآخرين نظرة دونية، وتحقير آرائهم وأشخاصهم.
إلى غير ذلك من الأمور التي تصبغ الشخصية والتي تعكس أسلوبا تربويا عقيما بني على مفاهيم غير حضارية، بل بعيدة كل البعد عن قيم الإسلام؛ فالبيئة التي تفرز هذه التربية هي بيئة غير مثقفة وغير واعية، ولا تمتلك رؤية صحيحة لأهمية التربية في تطور المجتمعات.
ربما يدعي الكثيرون أننا نتعامل مع الزوجة والأولاد بشكل ديمقراطي، وأنهم يمتلكون كامل الحرية في التعبير عن آرائهم. ولكن هذا الكلام قد يكون ظاهريا، وليس حقيقيا.
الطفل والمرأة في المنزل لا يمتلكان أية حرية أو حق في المشاركة في اتخاذ القرار، مع أن هذا هو مدخل الديمقراطية. فالطفل لا يناقش ولا يجد مجالا للإدلاء برأيه في الصف الدراسي بالمدرسة.. المعلم هو الحاكم، وهو صاحب القرار. بالطبع نحن لا ننتقص من قيمة الأب في المنزل، أو المعلم في المدرسة، ولا نطلب منه التخلي عن حقه في إدارة مؤسسته الصغيرة. ولكن ما نطالب به هو حق الآخرين في النقاش والحوار، وبالتالي اتخاذ القرار.
هذا الحال ينسحب على الإعلام، وعلى طريقة معالجته لقضايا المجتمع؛ فإعلامنا العربي بداية هو إعلام أحادي الاتجاه، بمعنى أن القائمين على وسائل الإعلام يقررون ما هو مفيد وما هو غير مفيد للفرد والمجتمع، فيختارون البرامج والمواد الإعلامية التي يعتقدون أنها مناسبة للناس. ولا يعيرون انتباها لآراء الجمهور وتطلعاتهم، وللبرامج التي يريدون تلقيها.
والأهم من ذلك أن وسائل الإعلام يفترض أن تمثل المجتمع تمثيلا حقيقيا فتكون مرآة تعكس صورة المجتمع وقيمه وآرائه وأفكاره وعاداته وتقاليده. وكذلك تعبر عن هموم المواطن وطموحه وآلامه وآماله. وهذا الأمر يعتبر صمام الأمان للإعلام، ويكون بالتالي " ديمقراطيا"؛ لأنه يصبح لسان حال المجتمع. فلو عبر الإعلام تعبيرا حقيقيا عن واقع المجتمع، لما احتاج إلى جهد كبير في القيام بإعداد البرامج المعبرة عن إرادة الناس واختيارهم.
هذا في الحقيقة هو الدرس الأول في "ديمقراطية الإعلام" وأسلوب تعامله مع الإنسان. وتأثير هذا الأسلوب في التعامل مع الجمهور ينعكس بشكل غير مباشر على طريقة تفكير الناس وتعاملهم مع بعضهم البعض.
فالأب أو الأم مثلا يختاران لطفلهما ملابسه وألعابه، ويرسمان له طريقة حياته، وإذا نشأ الطفل في مثل هذا الجو، فكيف نتوقع أن يتعامل مع الآخرين؟. بالتأكيد سيكون نسخة طبق الأصل للنماذج التي يراها في بيئته المحيطة.
إن عدم إشراك الجمهور في اختيار المادة الإعلامية، أو على الأقل في إبداء رأيه في هذه المادة، هو نموذج واضح لأساليب الدكتاتورية والتحكم التي توارثتها الأجيال. وبالرغم من أن الجمهور ربما لا ينتبه لهذا الأمر فإنه ينغرس في اللاوعي عند الفرد، وينشأ بالتالي الطفل على هذا الأسلوب في التعامل مع الآخرين.وتزداد المسألة تعقيدا حين نتعمق في المادة الإعلامية التي تبثها وسائل الإعلام. فبالرغم من أن الإعلام يسعى إلى تقديم الأخبار والتحليلات ومادة الترفيه والتسلية بشكل عفوي، إلا أننا نرى أن هذه المادة مستقاة من واقع سياسي واقتصادي واجتماعي قائم على تحكم طرف بالآخرين. ويمكن أن نجمل هذه الأمور في النقاط التالية:
١. الإعلام العربي -على وجه الخصوص- في مجمله ليس إعلاما نقديا تجاه الآخرين، وبالذات تجاه الحكومات التي لا تعرف الديمقراطية أصلا. بل أكثر من ذلك، حيث نرى أن المادة الإعلامية تدور في كثير من الأحيان في فلك الحاكم، فتكيل له المديح، وترصد تحركاته، وتجعله منزها عن الأخطاء والنواقص وهذه الحالة بالذات غير موجودة في الإعلام العراقي في مرحلة ما بعد سقوط الدكتاتورية , رغم وجود بعض القنوات التي تحاول بين الحين والآخر الاصطياد في المياه العكرة.
ونحن نعلم أن النقد والحوار والاختلاف في الرأي هي بعض مظاهر الديمقراطية التي يجب أن يتربى الطفل عليها، ويجب أن تتكرس في المجتمعات التقليدية. فالتعامل مع المضمون الإعلامي على أنه "موال للسلطة" يبرز "إنجازاتها" ويظهر الجانب الإيجابي لها، هو تأكيد لمظاهر الدكتاتورية. فالإنسان يتعلم "النفاق" وكيل المديح للآخرين، ويبعده عن الإيجابية في النقد الصريح البناء وإبداء وجهة النظر المخالفة. ففي هذه الحالة يقوم الإعلام بتكرار ما يحدث في المجتمع من جهة، ويعلم الأجيال هذه الأنماط من السلوك من جهة أخرى.
٢. يمكن في بعض الأحيان أن تقوم وسائل الإعلام بعرض مشاهد درامية تعطي الطفل الحق في إبداء رأيه. ولكن الغالب في الأفلام والمسلسلات هو تأكيد وجهة نظر الكبار، والتقليل من وجهة نظر الآخرين.
ونقصد بالكبار هنا كبار السن أو الأغنياء الذين يفرضون آراءهم على الآخرين، أو الزعماء والقادة، أو المسؤولين في العمل؛ فالموظف مثلا لا يستطيع أن يناقش، ويخضع لرأي رئيسه دون نقاش، بل ينافقه ويؤكد بعبارات لا تقبل التأويل حصافة رأيه وحنكته وصدق نواياه وسعة اطلاعه، وحتى إدراكه لأبعاد القضية المطروحة.
٣. برامج التوجيه الديمقراطي تعتبر هامة في الإعلام؛ ففي المرحلة التي تمر بها البشرية حاليا لا بد من إحداث نقلة نوعية على المستوى الاجتماعي والثقافي ونحن في العراق أحوج ما نكون لهذه النقلة على المستويين الاجتماعي والثقافي بغية تحقيق الانتقال الديمقراطي الصحيح.
والإنسان يحتاج منذ طفولته إلى جرعات توعية حول أنماط السلوك الديمقراطي، والمسألة تبدأ طبعا بتغيير التصورات، وهي مسألة في غاية الصعوبة، لكن تغيير السلوك لا يمكن أن يتم إلا من خلال تغيير القناعات وتعديل المفاهيم وإشاعة التوعية، ثم الإرشاد نحو السلوك الديمقراطي السليم.
وبالطبع يكون ذلك أحيانا بأسلوب مباشر ضمن برامج إعلامية خاصة، وأحيانا أخرى بأساليب غير مباشرة من خلال عرض قضايا مختلفة تتضمن إشارة إلى الأنماط السليمة والأنماط الخاطئة في السلوك.
وخلاصة الأمر أن للإعلام دورا هائلا في التغيير وفي التأثير على الفرد، بخاصة على الأطفال الذين أصبحوا في عصر الاتصال يعتمدون بدرجة كبيرة على التلفزيون تحديدا.
فالإعلام أصبح في الوقت الراهن أداة قوية في التغيير وفي توجيه الرأي العام، وفي صياغة أنماط العلاقات الاجتماعية.
الإعلام يعلم الفرد الممارسة الديمقراطية من خلال طريقته في الأداء، أي من خلال علاقته مع الجمهور. فإلى أية درجة يحترم الإعلام رأي الجمهور؟ وهل يعبر بشكل واقعي عن الإنسان؟ وهل يشارك الفرد في اختيار المادة الإعلامية؟ وكيف يمكن أن يصبح الجمهور شريكا في العمل الإعلامي؟.من جهة أخرى، نجد أن الإعلام يمارس دور المرشد للممارسة الديمقراطية من خلال مضمون برامجه الإعلامية؛ فهو الذي يشجع الفرد على إبداء رأيه والدفاع عن حقه في ذلك، وهو الذي يضع الممارسات الدكتاتورية في خانة الاتهام ويحكم عليها بأنها ممارسات خاطئة.
وبالتالي يكون مرشدا للجمهور في تكريس الفكر الديمقراطي.
إن الإعلام هو أداة التغيير في المستقبل، وهو حجر الأساس في تطوير العديد من الجوانب الحياتية، وأجزم بأن الانفتاح على العالم الذي حصل نتيجة تطور وسائل الاتصال سينقل التجارب الديمقراطية عبر الحدود، ويفتح آفاق أطفالنا إلى حقوقهم الأساسية في الممارسة الديمقراطية.
لقد سقطت كل العوائق أمام وسائل الإعلام، وعلى الآباء والمسؤولين إدراك ذلك والاستفادة من هذا التطور والتأقلم والتعايش معه، والاستعداد للمرحلة القادمة التي لن يكون للدكتاتورية فيها مكان.
وإلا فإن التغيير سيحدث فجأة دون مقدمات، ولن يجد عندها الآباء إلا الاستسلام للأمر الواقع.

المصدر : الحوار المتمدن
التقييم التقييم:
  ٠ / ٠.٠
 
 التعليقات
لا توجد تعليقات

الإسم: *
الدولة:
البريد الإلكتروني:
النص: *
التحقق اليدوي: * إعادة التحميل
 
 
شبكة المحسن عليه السلام لخدمات التصميم